قطرات الماء وثقافة التغيير

بقلم: م. محمد يوسف حسنة.

 

 

لكم تجذبنى قطرات الماء فى انسيابها حافرة فى الصخر سحرها، وتاركة فى الأرض آثارها، تتجدد المياه فى مساراتها من ينبوع يضخ الحياة فيها فيزيد جمالها تألقاً وحسنا، وكم يزعجنى إن ما عكر صفاء الصورة صخر عنيد أو غصن تهاوى من علياء جذوره فسقط معترضاً الجدول وحول الماء المتجدد راكداً لا حراك فيه فأفقده الصفاء ولون سطحه بالتجاعيد وكأنه يرفض التغيير ويعلن معارضته التجديد.

ماسبق دفعنى للتأمل قليلاً حول واقع مؤسسى نحيا ومأساة نعايش فرغم بصيص الأمل المنبعث من الزوايا الخافته ورغم المحاولات المتفرقة هنا وهناك لخرق الطوق وإيصال الصوت، مازال واقعنا يعتريه الوهن ومؤسساتنا الأهلية لا تغادر مربعاتها بل أن مجالسها الإدارية باتت مملكة أحادية ومدرائها منذ سنين توسدو أماكنهم وماغادروها تطويراً أو تدويراً .

ما ألمسه أننا نفتقد وبشدة لثقافة التغيير وتقبلها، فبنظر الغصن المتعالى بكبر مقامه المتهاوى بضحالة إنجازه لا حاجة للتغيير فالأمر يجرى بانسياب ولا مشكلة حقيقية تلوح فى الأفق ولا بأس إن كان نظام يتهاوى طالما أن الكلمة الفصل للغصن صاحب الفضل، ولا بأس إن خرقت لوائح ونفذت مشاريع وأنفقت ملايين فالمجتهد مأجور فى الحالتين ولا بأس من السير دون نظم وقوانين.

ومن وجهة نظر الصخر معترض الجدول التغيير إن قدم قد لا يبقيه، وفى أفضل الأحوال سيغير بيئة ونظام يؤويه كيفه لصالح بقائه وتوسد ساحة القرار فيه، وكل من يأتى بغير ما أتى به باطل يستحق الهدم فلا أريكم إلا ما أرى ، ولا بأس إن جانب الصواب بل ولا بأس إن قتل روح الإبداع فى مهدها ونحر الفكرة فى منبتها فكل الوسائل مشروعة شرط ألا يحدث التغيير.

تلك الصورة المؤلمة وإن تم استثناء بعض المؤسسات منها إلا أن غالبيتهم واقع تحت تأثيرها بقصد أو دون قصد، ما العمل إذا استسلام لواقع أليم والركون لأن تهب رياح التغيير من الخارج ترهيباً أو ترغيباً؟ أم البقاء رهينة تغيير منوط بشروط وأجندة المانحين؟

أتوقع أننا بحاجة لأشخاص يحملون التميز وساماً على صدورهم ويعتبرون رواداً فى مجالاتهم، إننا بحاجة لشخص فريد وشخص رائد  للبدء فى عملية التغيير فالتغيير عملية لها ضوابط وشروط تتطلب التراكم لا حدث عابر مبتور ليس له جذور.

أشخاص على قدر التحدى لا تثبط عزيمتهم بتخاذل المحيط ولا تنتكس الآمال بآلام مخاض عملية التغيير فعلى قدر التحدى يكون تذوق طعم النجاح.

وعليك إن أردت أن تكون الفريد والرائد صاحب التغيير وحامل همه  أن تدرس الواقع المراد تغييره تلاحظ، تدون، تفكر بتعمق تنظر لمن هم حولك ومن يصلح ليكون صاحب شرف التغيير وصاحب العزيمة التى لا تلين.

وعليك بإيصال رسالتك بالطريقة التى يفهمها غيرك لا بالطريقة التى تفهمها وعليك أن تكون واضحاً فى غاياتك وأهدافك من التغيير فإن كنت صاحب غاية وهدف سامى فستصل أما إن كنت من أصحاب التغيير للكسب الذاتى فستهوى كما هوى غيرك.

ولا عليك بمن يريد التشويش على عملية التغيير فوجودهم حتمى فأنت تهدد مكانتهم الاجتماعية وتهدد صورتهم التى حفروها فى أذهان مريديهم وأتباعهم سنوات طويلة فستجد تثبيط الهمة وتحقير المعلومة ونسف الإنجاز فلا تضع الوقت فى الرد على الترهات وألتفت وركز فى الإنجاز وإيصال الرسالة.

لا تحاول العمل منفرداً فعملية التغيير تطلب تضافر الجهود وإشراك الجميع بصناعة القرار كى يتحملون نتيجة التغيير القادمة، وإن ما نجحت فى تشكيل فريق يؤمن بالتغيير وقادر على مواصلة الدرب فأعمد للترويج للتغيير وأشعر مجتمعك بوجود المشكلة ولابد من حلها.

وإن ما طرحت المشكلة ونجحت فى ترويجها لا تربك الساحة بغياب الرؤيا المستقبلية للحل، فمن البديهى بمكان أن يكون محل التساؤل الأول ما البديل المقنع وما الرؤيا التى بموجبها سنغير ما نحن فيه لما تنشدنا إليه.

ولتضع رؤيا تقنع الجميع وتصب فى خانة التغيير لا تستأثر بها لوحدك أشرك الفريق ومن أراد من المجتمع بل وإن شئنا الدقة عليك استشارة كل فرد فى المجتمع موضع التغيير ولا تهمل فكرة ولا تحقر من رأى ، فالكل له دور فى عملية التغيير.

وإياك والصدام على سلطة واصدار قرار فتوزيع الأدوار مطلوب وحفظ المقامات ضرورة، وميزان الحماسة لدى الأفراد ولدى فريقك يقل وينقص فعليك بما يرفع وتيرة الحماسة ويلهبها ولتكن عينك على الوسائل التى تحقق الرؤيا موضع الإتفاق وعين على شؤون فريقك وحاجياتهم.

وإن ما قررت خوض غمار التغيير وريادته فعليك عبء مضاعف فقائد الفريق لا كالعضو فى الفريق فلا تبخس أعضاء الفريق حقهم ولا تفرط فى حقوقهم فأنتم جسد واحد التغيير مناط فيه فإياك وأن يصدم أعضاء الفريق بقائدهم، تعالى عن الصغائر لتسمو وترفع عن الكبائر لتستحق القيادة.

وأعلم إن نجحت والفريق فى عملية التغيير فالأنتقال من مرحلة لمرحلة يصاحبه الفوضى فعليك بمعالجتها ولا بأس من إخفاقات هنا وهناك فالعملية لا شك صعبة ومعقدة وشائكة، إلا أنك بحاجة لنجاح ملموس تقنع به فريقك والمحيط ويستشعره من كان دوماً غصنا وصخرا معيق.

تذكرت أمراً سأختمه نثراً ، أيا غصنا تهاوى فى الجدول للماء معترضاً، أما علمت إن الماء صددت تراكمت القطرات حتى تزيحك أمراً، وتمر فوقك غصبا؟، وأيا صخراً تحدى بصلابته انسياب القطرات ظلماً أما علمت أن تدفق القطرات بالتكرار ستخترقك وستفنى أنت قهراً؟

mmm

 

4 replies »

  1. شكرا على موضوعك القيم
    لا بد ان نكون هذه القطرة التى نفتت بها صخرة الحياة اليائسة
    على الغم من قوة الصخرة و تماسكها و اعتراضها طريق الناس الا ان قطرة ماء بحجمها المتناهى فى نهاية المطاف يفتتها تماماً

  2. ان قطرات الماء المتتالية تحفر أخدودا في الصخر الأصم …لذا لابد لنا ان نتعاون كقطرات الماء…
    الماء في هذه القصة مثال رائع …شكرا لك على هذا الموضوع

  3. مقال ممتاز جدا !حتى اسلوب العرض والتعبير من عبارات ومرادفات وصور بلاغية وكنايات و…. كلها مجتمعة لتضيف للمقال قوة ووضوح ولذة القراءة ايضا ابسطني قرائته..

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كلمات المهندس محمد أصابت صميم ولب عجلة التخلف لدينا وهذا ما تشكو من المجموعات الإدارية في وطننا العربي , ولأن تنشئة الأسرة تقوم على الغالب على التعنيف نوعاً ما وآحادية القرار كان ما تفضل به المهندس ملموساً في مؤسساتنا الاجتماعية. أتمنى العمل على التغير الإداري في مجتمعاتنا نحو الشورى وأخذ آرائ أهل الكفاءة محمل الجد والتطبيق. ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب دون واسطة أو محسوبيات أو قرابة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s