أندونيسيا كما رأيت، بقلم م. محمد يوسف حسنة.

أندونيسيا كما رأيت، بقلم م. محمد يوسف حسنة.

حظيتُ بشرف زيارة أندونيسيا للمرة الثانية على التوالي في أقل من عام، وكعادة ضباط المطار ما أن علموا بأني من فلسطين وغزة تحديداً حتى علَت وجوههم الابتسامة وظهر الاهتمام والسؤال عن أحوال فلسطين وإن ما كان هنالك قصف وقتال، وعلى عكس المطارات الأخرى تجد سرعة إنجاز المعاملة وحسن الاستقبال، ولا يفوتني إعلامكم أن ماليزيا وأندونيسيا لا تربطها أي نوع من العلاقات مع الكيان الإسرائيلي ولا تسمحان لحاملي الجوازات الإسرائيلية وإن كانوا من عرب الداخل بالدخول لأرضيهما ويعتبرون أن لا حاجة لإقامة علاقات مع دولة ستزول، دولة تغتصب أرض وتقتل شعب أعزل وهو موقف تشترك فيه الحكومة والمعارضة والشعب من العامة.

وكعادة السائقين -التي لا تختلف من بلد لأخرى- يتلقفونك كسمكة وقعت في شباك صياد وكلٌ يعرض خدماته، ولأني كنت قد خبرت جاكرتا فلم أتغلب كثيراً في مفاوضة السائق على سعر معقول والانطلاق حيث وجهتي.

وبعيداً عن الفنادق الفخمة كما كنت المرة الماضية قررت النزول في سكن وسط الشعب الأندونيسي هادفاً للتعرف على طباعه وعاداته وتقاليده ومراقباً تطوره وما اختلف خلال عام، وحظيتُ بغرفةٍ متواضعة في سكن بوسط العاصمة جاكرتا يسهل الوصول إليه، ويُتيح لي فرصة الاختلاط بالشعب الأندونيسي، وكانت البداية مع قيم البيت الذي كان يود تعلم اللغة الانجليزية فكنت أمضي معه بعض الأوقات يُدرسني بعض الكلمات الأندونيسية وأعلمه ما يستطيع حفظه من اللغة الانجليزية.

قسمت وقتي ما بين الاجتماعات الرسمية، ومشاهدة المدينة بشئ من التأمل هذه المرة، فجبتُ شوارعها المكتظة وسيول عارمة من الدراجات النارية تخترق شوارع المدينة، ولكثرتها مازحتُ بعض أصدقائي في أندونيسيا بقولي “كدت أعتقد أن كل طفل يولد ومعه دراجته النارية”، ناهيك عن آلاف من سيارات النقل العام والسيارات الخاصة ولك أن تتخيل كيف لمدينة يقطنها 18 مليون مواطن يزاداون في ساعات العمل إلي 20 مليون شخص في ساعات النهار يكون ازدحامها وكم من الوقت عليك أن تمضى في الطريق حتى تصل هدفك.

يمكنني أن أطلق على مدينة جاكرتا مدينة المتناقضات التي تجمع بين البنايات الشاهقة التي تخترق السحاب ويجاورها أكواخ وبيوت بسيطة للفقراء، بين مطاعم غاية في التكلف وبين محال صغيرة للأطعمة تنتشر في كافة أنحاء جاكرتا ولا تحتوي على كثير من الأثاث سوى عربة طعام ومعرش وبعض الكراسي المهترئة ( هى مشاريع ضمن برنامج مشروع تمكين الأسر الفقيرة) والعجيب أنها لا تخلو صباح مساء، كما يمكنك رؤية فتيات في عمر الزهور ترتدي كامل زينتها ولباس يتوافق مع الثقافة الغربية ثم ما تلبث إلا أن تراها قد ارتدت الحجاب وسابقت الرجال لتأدية فريضة الصلاة.

مازال نظام المواصلات في بدايات التطوير، فما تشهده جاكرتا طفرة في بناء الجسور، قد قمتُ بزيارة بعض الجسور التي كان يُؤسَس لها في العام الماضي فوجدت أنها توشك على الانتهاء، ومازال النقل العام يعتمد على الحافلات دون القطارات الكهربائية كما في ماليزيا.

أما عن طبيعة أندونيسيا فهى خلابة تسرق لبّ العقول، وقد علمتُ أن آسيا الحقيقة هى أندونيسيا وأن معظم التقاليد العريقة والفنون الشعبية وغيرها التي أهلت ماليزيا للحصول على هذا اللقب من قِبل زوارها هو بالأساس أندونيسي، ويُتيح لك متنزه كبير مشاهدة قرى ومدن أندونيسيا بشكل مصغر حيث تم بناء معالم كل مدينة حقيقة في مجسم للبلاد بشكل فني راقي ورائع مع بحيرة رسمت فيها بالصخور والزهور والعشب الأخضر خارج جزر أندونيسيا المتناثرة مترامية الأطراف.

أما الشعب الأندونيسي فهو شعب محبّ مسالم، ضرب في ثورة العام 1998 على سوهارتو وأعوانه مثالاً يُحتذى به وسبق العالم العربي في ربيع الثورات على الطغيان، وضحّى الشباب بأرواحهم في سبيل أن تتحسن أوضاع بلادهم، حيث كان طُلاب الجامعات الشرارة التي قلبت البلاد رأساً على عقب في مشهد يعزز ريادة الشباب وقيادتهم لزمام الأمور، ومن ثم تبعتهم الطبقة الفقيرة والمهمشة المسحوقة في البلاد، وعلّ الشعوب العربية وخصوصاً مصر مدعوة الآن وبقوة لدراسة التجربة الأندونيسية لما في الأمر من تشابه على صعيد الأوضاع ما قبل وبعد الثورة وكيف استطاعت أندونيسيا رغم تعدد الأديان والأعراق التوحد خلف وحدة الوطن وتعزيز نموه وتطوره.

أما اقتصاد أندونيسيا فحسب معهد ماكينزي العالمي فهو مرشح لأن يكون سابع اقتصاد على مستوى العالم شرط رفع معدل النمو الاقتصادي، والتخلص من بعض الإجراءات المقيدة للعملية الاقتصادية ومحاربة الفساد، حيث – وحسب المعهد فإن أندونيسيا- ستُضيف 90 مليون مستهلك جديد إلى اقتصادها وسيبلغ حجم قطاع الخدمات 1.1 تريليون دولار، وعليها أن ترفع نمو الناتج المحلي من 5% وهو المحافظ عليه حالياً ل 6% سنوياً لتحقيق المركز السابع بحلول العام 2030.

كان ومازال يعجبني في الأندونيسيين بساطة الحياة، فهم يرضون بالقليل ويفترشون الحصير يقتربون منك ليقدموا المساعدة بعضهم بدون مقابل وبعضهم بمقابل فما زال الفقر ضارباً أرجاء أندونيسيا ولم تنهض بعد أندونيسيا من تبعات حقبة ما قبل الثورة وهم في مكابدة وجهاد ضد الفقر والحاجة.

ومايزيد من احترامك لهذا الشعب أن العارفين بالقضية الفلسطينية حين يسمعون عنها يبكون بحرارة ويجودون بأموالهم – رغم حاجتهم – لأجل مساندة ومؤازرة أهل فلسطين، ولن أنسى ذلك الموقف حين تحدثتُ في جمع من الأندونيسين عن الأوضاع الإنسانية التي يحياها أهالي قطاع غزة، فداخل أحد الحضور ” أقسم لو أن حدود أندونيسيا مع فلسطين ما بقت إسرائيل يوماً واحداً”، واللبيبُ بالإشارة يفهم.

رغم حداثة مؤسسات القطاع الأهلي الأندونيسي إلا أنها نجحت في التواجد بين الجماهير واستطاعت أن تُقدم خدماتها لأهالي البلاد سواء عبر مرحلة الإغاثة عقب أي كارثة طبيعية تحل بالبلاد أو التأهيل أو التنمية، وقد دأبت تلك المؤسسات على بناء اقتصاد الأسرة الأندونيسية وبناء أسرة معتمدة على ذاتها اقتصادياً وهو ما وفّر الآلاف من فرص العمل عبر مشاريع الإقراض الحسن ومشاريع الإقراض الصغيرة، وعلّ نجاح تجربة بعض المؤسسات الأندونيسية بتطبيق فكرة القرض الحسن استدعت توافد بلد مثل روسيا وتايلند وغيرها لدارسة تجربة تلك المؤسسات ومحاولة نقلها لبلادهم وقد تم تدريب الوفود حول التمكين الاقتصادي وفق المفهوم الإسلامي والتدرب على إدارة برامج الإقراض.

رغم ثقل المسؤولية المُلقاة على عاتق المؤسسات الأندونيسية في خدمة الشعب الأندونيسي إلاّ أن أجندة مساعدة فلسطين والأقليات المسلمة في تايلند وأركان ومساعدة المنكوبين في الصومال خاصة وأفريقيا عموماً تمثل أحد أعمدة العمل المؤسساتي الأندونيسي.

تبقى أمام أندونيسيا معضلة آثار وتبعات حكم سوهارتو بما فيها من ظلم وغبن وجور وفساد وإبعاد للناس عن دينهم، ويبقى أمامنا أن نكون جسر أندونيسيا للعودة إلى أحضان أمتها بشكل يليق بأكبر دولة إسلامية.

 

Categories: Uncategorized

3 replies »

  1. رائع استاذ محمد .. اندونيسا جنة الله ف الارض

    كلام جميل ورائع لقد تفتحت لدي ورود بل زهور للاهتمام بعطرها الفواح

    ومن الرائع جدا ان تنقل لنا كل ما تراه من خبرة وتجارب وزيارات قمت بها لخدمة الامة الاسلامية

  2. يمكنني أن أطلق على مدينة جاكرتا مدينة المتناقضات…. شي جميل احيانا النتاقضاقتصاد أندونيسيا فحسب معهد ماكينزي العالمي فهو مرشح لأن يكون سابع اقتصاد على مستوى العالم.. رائع جدا كدولة مثل اندونيسيا….. ” أقسم لو أن حدود أندونيسيا مع فلسطين ما بقت إسرائيل يوماً واحداً.. كلام مهم ومؤثر
    ….يبقى أمامنا أن نكون جسر أندونيسيا للعودة إلى أحضان أمتها بشكل يليق بأكبر دولة إسلامية. هدا يتطلب جهد كبير ليس بالسهل”

  3. ياريت ننهل بالخطة الاقتصادية التنموية اللي قام فيها محاضير محمد بالانعاش والنهوض لاقتصاد دول شرق اسيا دون استثناء

    ليت تأتي الفرص ونعيش التجربة

    شكر لك كثيرا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s