المخيمات الفلسطينية بلبنان احتياجات وأولويات تدخّل

المخيمات الفلسطينية بلبنان احتياجات وأولويات تدخّل بقلم م.محمد يوسف حسنة.

طفلٌ يخرج إلى نور الدنيا في المهد في غرفة من صفيح لا تقيه حر الصيف الحارق أو برد الشتاء القارص، إن ما تماسك وبدأ التعوّد على المشي غاصت أقدامه بالمياه العادمة المُتدفقة بجوار بيت الصفيح، وإن حان موعد التحاقه في المدرسة غصّ فصله بأقرانه في مدرسة متهالكة الجدران دون أدنى مقومات الحياة التعليمية، فإن ما كبر والتحق بالجامعة فهو محتار في التخصص، فلديه قائمة من 70 وظيفة محروم منها، فأي التخصصات أنسبها وأي الأعمال يستطيع أن يمارسها!، وإن ما تخرج وتجرّأ للعمل متخفياً في مهنته تمت مطاردته وذنبه أنه يعمل في مهنته التي درسها، حتى إن أراد أن يتزوج فلا حق له في أن يتملك بيتاً أو يُعلي سقفاً، وإن حان موعد أن ترجع الوديعة لربها وتخرج الروح أُريد أخراجه من بيت الصفيح عبر زقاق ضيق فلا مجال إلا أن يتم حمله دون النعش حتى إخراجه ودفنه، هذه صورة من حياة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات البؤس بلبنان.

كنت قد خرجت من غزة حاملاً عذابات شعب يرزح تحت الحصار ويذوق من كأس الفقر والبطالة والحرمان علّني أساهم في إيجاد حلول ممكنة على صعيد الجانب الإنساني في مكان ما، وحطت رحالي هذه المرة في لبنان الساحرة العامرة بالمتناقضات، جبت البلاد طولها وعرضها، أعجبني جمال طبيعتها وكرم رجالها وحسناواتها، وأحزنني معاناة الفلسطينيين القانطين مخيمات اللجوء في لبنان فلا حق لهم في التملك أو التوظيف، وأوضاع اللاجئين لا تسرّ عدو أو صديق، متروكين دون بنية تحتية أو خدمات صحية وافتقار لأبسط مقومات العملية التعليمية، دورٌ متراجع لمنظمة التحرير ودور دون المستوى المطلوب من الفصائل خارجها ودور دون التوقعات من وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين.

صُدمت حين اطلعت على الحقائق والأرقام، مأساة الفلسطينيين ببلد الجمال لبنان ولأضعكم بصورة الأمر فهنالك مخيمات لجوء في لبنان وهى المُعترف بها من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين وتحظى بمساعداتها رغم قلتها، والتجمعات الفلسطينية وهى لا تتمتع بأدنى نوع من الشرعية كونها مُقامة على أملاك خاصة منذ فترات بعيدة ويوجد بمنطقة صور المخيمات التالية ( البص، الرشيدية، البرج الشمالي، الساحل)، يليها مخيمات صيدا ( عين الحلوة، المية مية) يليها مخيمات بيروت (مار الياس، شاتيلا، برج البراجنة، ضبية) بجانب تجمع الداعوق ومن ثم مخيم الجليل كما يوجد بمنطقة الشمال مخيمي البداوي والنهر البارد)، ويبلغ عدد سكان هذه المخيمات والتجمعات حسب الإحصاءات الخاصة بالأنروا لنهاية عام 2011 نحو 455,000 نسمة، لم تزد مساحة المخيمات التي بقيت على حالها منذ نشأتها في خمسينات القرن الماضي، وكان يبلغ عدد سكان اللاجئين انذاك 127,600 لاجئ فقط لا غير، ورغم تضاعف الأعداد إلا أن المساحة بقيت كما هي، حيث يقطن مخيم عين الحلوة 70  ألف نسمة يعيشون على كيلو ونصف كيلو متر مربع.

أظهرت نتائج المسح الاجتماعي الذي أجرته الأنروا في المخيمات الفلسطينية نهاية العام 2010 أن 65% من اللاجئين يعيشون دون خط الفقر و7 % هم دون الخط المدقع، فضلاً عن أن نسبة البطالة تصل إلى 56%.

وأظهرت دراسة خاصة بمؤسسة شاهد لحقوق الانسان وجود مايقارب 4600 منزل تحتاج لإعادة بناء وترميم، والمئات منها لا تصلح للسكن الآدمي وهى مهددة بالسقوط فوق رؤوس ساكنيها.

كما لم يَسلم الأموات من التضييق والمعاناة فالمقابر ممتلئة ولا يوجد مساحات لتوسيع المقابر ودفن الموتى مما يضطر سكان المخيمات لفتح القبور القديمة ودفن الموتى فوقها.

أما بخصوص قطاع الكهرباء فالحديث يدور عن توفرها لمدة 3 ساعات يومياً فقط بجانب تهالك شبكات وامدادات الكهرباء وتداخلها مع أنابيب المياه.

وفي مجال الصحة تعتبر فاتورة الخدمات الصحية كبيرة جداً ويكفي أن يعلم القارئ أن الولادة في المستشفى تُكلف ما قيمته 400 دولار أمريكي وهو مايفوق القدرة المالية للاجيء ناهيك عن ارتفاع أسعار الدواء وصور الأشعة كالرنين المغناطيسي وغيره، رغم أن الأنروا تقدم خدمات الرعاية الأولية عبر 29 مركز صحي موزع على المخيمات سالفة الذكر وتحاول المساهمة في مستويات الرعاية الثانية والثالثة إلا أنها تعتزم تقليص خدماتها في المجال الصحي بنسبة 50%.

تُعاني مدارس الأنروا من اكتظاظ رهيب في الطلاب يصل ل50 طالب في الفصل الدراسي الواحد وتدني مستوى التحصيل الدراسي في المرحلة الابتدائية والاعدادية نتيجة اعتماد الترفيع الآلى، ويدخل ما متوسطه 1000 طالب وطالبة الجامعات سنوياً وهم يواجهون مشكلة عدم القدرة في دفع أقساطهم الجامعية.

وكأّن اللاجئين لا يكفيهم ما فيهم فأُضيف لهم 1500 عائلة فلسطينية من لاجئي سوريا فروا من ويلات الإبادة الجماعية، وهؤلاء يحتاجون لإيواء عاجل وتوفير الخدمات الصحية لهم ومعاش مؤقت ليتسنى لهم ممارسة حياتهم في لبنان وتوفير احتياجاتهم بعد أن فقدوا كل شئ وباتوا مُجبرين على التكيف مع الحياة اللبنانية فقد كان يكفيهم في سوريا 200 دولار لمدة شهر والآن يحتاجون ل 1000 دولار أو أقل ليكفيهم في لبنان.

والغريب ورغم وضوح المأساة والحاجة والأولويات إلا أن بعض المؤسسات الدولية العريقة ذات التمويل السخي تركت احتياجات وأولويات المخيمات وتركز نشاطها في جانب تعزيز الثقافة الجنسية وتنمية قدرات الشباب في مجال معرفة مفاهيم الصحة الجنسية وفض غشاء البكارة، وتناست أولويات مخيمات تحيا دون الحد الأدنى من مقومات الحياة.

لن أتوقف كثيراً عند أولويات تلك المؤسسات في التدخل وأجندتها الخاصة بل لنتحدث عن احتياج أبنائنا وشعبنا في مخيمات اللجوء، هنالك حاجة لدعمهم قانونياً ليكون بمقدورهم التمتّع بحق التملك والتوظيف وحقهم علينا أن يتم استغلال الموارد المالية لصالحهم في إطار تمكينهم وتعزيز وضعهم، وعلينا تعزيز الدور العربي والإسلامي في دعم الخدمات الصحية والتعليمية والسكانية لأهالي المخيمات وتوفير فرص عمل وتمكين الأسر الفلسطينية الفقيرة بمخيمات اللجوء.

ولأن بناء البشر يسبق بناء الحجر فعلينا الاهتمام بطلابنا الجامعيين وتوفير دعم لصندوق الطالب الفلسطيني.

هنالك حاجة لتكاتف الجهود والبدء بتدخل عاجل وفاعل ووفق أولويات وحاجة المخيمات، والابتعاد عن المناكفات التي لا تزيد إلا المعاناة ولا تولد إلا البؤس والإحباط وتدفع الشباب للهجرة بعد الهجرة تاركين ثقافة شعب وعادات وتقاليد ودين أمة.

وعلينا كفلسطينين أن نُعطي أولوية لمخيم نهر البارد خصوصاً المخيم القديم والبدء بتحسين أوضاعه ومساعدة الأهالي فيه، دون أن ننسى النازحين من سوريا سواء الفلسطينين أو السوريين والذين بلغ تعدادهم الآن 100 ألف نازح.

المسؤولية علينا جميعاً فإما أن نكون على قدر المسؤولية ونقدم يد العون والمساعدة لخواننا وإما سيكتب التاريخ أن لنا أخوة عانوا الأمرين ودفعوا ضريبة الوجود وكنا مجرد مشاهدين لآلامهم ومعاناتهم.

نهاية أشكر لبنان الجميلة فكرم أهلها وطيب المقام فيها وهذا النموذح النادر في التنوع والاختلاف سيبقى عالقاً في ذهني ما حييت.

مرفق صور زيارتي لمخيم نهر البارد:

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.439591322758322.113158.100001223731050&type=1

 

 

Categories: Uncategorized

1 reply »

  1. موضوع قيم ومعبر ويا ليت الجميع يعي ماساة وحياة البؤس التي يعيشها الفلسطيني في مثل هده المخيمات

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s