أطفال غزة والنضال من أجل الحق في التعليم، بقلم م. محمد يوسف حسنة

بدء عام التعليم متزامناً مع فصل شتاء بارد تكاد برودته تُجمد أطراف أطفال المدارس في المناطق الفقيرة والمُهمّشة، الذين ينطلقون مع ساعات الصباح الأولى يُقاتلون البرد ووعورة الطريق ومياه الأمطار بُغية الوصول سالمين لمقاعد الدراسة، بعد أن يكون قد نال التعب والجهد من أجسادهم البريئة، دون أن ينال من روحهم المعنوية ورغبتهم في الحصول على واحد من أهم حقوقهم ألا وهو التعليم، إذ يسير بعضهم سبعة كيلو مترات للوصول إلى المدرسة مُتخطين برك المياه المتراكمة، أو سالكين دروب وعرة بديلة إن كانت الطريق الرئيس التي تخلو من المواصلات معطلة بفعل المستنقعات المتجددة نتيجة المياه أو بفعل انهيار جسر وادي غزة الذي يربط قراهم بأقرب منطقة فيها تجمع مدارس.

لدينا في قطاع غزة 465 ألف طالب وطالبة، أي ما يمثل تقريباً ثُلث سكان قطاع غزة، وهم عماد وقادة ومواطني المستقبل، وهم من يفترض أن نقوم بزراعتهم ونثر بذور العلم فيهم حتى نحصد مستقبلاً مشرقاً وقادة أفذاذاً يخوضون غمار معركة تطوير وبناء الدولة. ويُعتبر حق هؤلاء في التعليم من الحقوق الأساسية التي كفلتها جميع المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية، وقد وردت في ذلك عدة مواد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية حقوق الطفل، وحتى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وغيرها من مصادر القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان، ولعلّ أهمية الحق في التعليم تكمن في دور الحق بالتعليم في تمكين وتقوية الحقوق الأخرى، فبغير التعليم الكافي والمناسب لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقوقه الأخرى ولا أن يميز حالات انتهاك حقوق الإنسان ولا يمكنه أن يدافع عن تلك الحقوق. إلاّ أن أطفالنا حتى اللحظة لا تتوفر لهم مقومات العملية التعليمية السليمة التي توفر لهم حاضنة إبداع، وتطوِّر من قدراتهم، ومازالت البيئة التعليمية غير مناسبة لمواكبة النهضة والتطور العلمي الذي وصلت إليه الشعوب الأخرى.

فهؤلاء الطلاب موزعين على 682 مدرسة، تعرّض جزء منها للقصف والدمار في الحرب الأخيرة على غزة واستُبدلت مؤقتاً بحاويات تُعرف بالكونتينر لا تقيهم برد الشتاء ولا حرارة الشمس اللاهبة في الصيف، إلى جانب اكتظاظ الصفوف المدرسية بالطلبة حيث يتجاوز عددهم في بعض الصفوف حاجز ال 50 طالب فعن أي جودة تعليمية يتم الحديث في ظل هذا الاكتظاظ غير المسبوق؟

كما يُعاني الطلاب من نقص في الكتب التثقيفية وعدم وجود أماكن مخصصة لمكتبة المدرسة، وغالباً ما يتم إنشاء مكتبة صغيرة بعدد كتب يتراوح من 100 كتاب لألف كتاب في غير المكان المخصص لها نتيجة استغلال المساحات لصالح الفصول الدراسية، بالإضافة لعدم توفر الكتب وغلاءها نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة.

وهنالك نقص عام في مختلف التقنيات التعليمية في المدارس الحكومية حيث تُعاني المدارس من قلة الأجهزة المخبرية العلمية، بالإضافة لنقص أجهزة الحاسوب في المختبرات ناهيك عن قدم بعض الأجهزة، كما أن توافر بعض الوسائل التعليمية في بعض المدارس لا يعني أنها تغطي الاحتياجات الطلابية بشكل كامل بسبب عدم توافر العدد الكافي منها، وفي كثير من الأحيان نجد هذه الوسائل غير مفعّلة بشكل كامل.

يحتاج طلبتنا إلى تحسين وتطوير البيئة التعليمية عبر تعويض النقص في المدارس من خلال بناء 224 مدرسة جديدة، هي مجمل احتياج القطاع التعليمي لتغطية العجز فيه، كما أن هنالك ضرورة للاستمرار في عملية بناء 35 مدرسة بشكل سنوي لتغطية الاحتياج نتيجة الزيادة الطبيعية للطلاب سنوياً.

ويحتاج طلبتنا لحوسبة العملية التعليمية وزيادة مخصصات الأنشطة اللامنهجية وزيادة أعداد الكتب التثقيفية والاهتمام بتطوير ورفد المكتبة المدرسية بالكتب النوعية بما يساعد على اتساع مدارك الطلاب وتفتّح آفاقهم.

إلاّ أن دعوتنا هذه ستذهب أدراج الرياح بلا شك إن توقفت عند الاهتمام ببناء المدارس وتحسين البيئة التعليمية وتناسينا جودة التعليم وتطوير كادر المدرسين الذى يُسند له مهمة تخريج الجيل وصقل العقول وتوجيه وحشد الطاقات بما يخدم بناء دولة المؤسسات ويساهم في إحداث تنمية بشرية حقيقية. 18,226 مدرس ومدرسة، قدوة لثلث أهالي قطاع غزة، منهم من تخضرم في العملية التعليمية عبر حياته المهنية إلاّ أنه ما زال يعيش في حقبة زمنية غير تلك التي نحيا، ومدرسين جدد تنقصهم الخبرة والحنكة، الأول يحتاج إلى مواكبة الحداثة والتطور واعتماد أساليب تدريس حديثة، والثاني يحتاج للخبرة والمهارة وإتقان عمله، بحيث يحافظ على هيبة المعلم ويحفظ كرامة الطالب، وهم – أي المدرسين – بحاجة لتصويب أوضاعهم المالية ففي معالجة أوضاعهم المالية راحة نفسية لهم، وتفرّغهم للتدريس بدل البحث عن عمل جانبي أو الإتجار بالدروس الخصوصية.

مما يبشر أنه ومع نهاية عام الشباب، قدمت ثلاث وزارات هم التعليم والإسكان والمرأة تصورات حول تخصيص عام 2012 كل حسب تخصص وزارته، وقبل أن تبدأ المداولات قامت وزارتي الإسكان والمرأة بسحب تصوراتهم ودعم وزارة التربية والتعليم في أن يُخصص هذا العام كعام للتعليم، خطوة تُدلل على أهمية التعليم وما يمثله من أولوية للفلسطينيين.

نأمل أن تقوم الجهات العربية والإسلامية بدورها في دعم المسيرة التعليمية فهى مضمار التميز الذي يُبدع فيه الشعب الفلسطيني ويستطيع التفوق فيه، ونأمل أن تكون مُخرجات عام التعليم حقيقة وتلامس عين الواقع، فنحن بحاجة لأن نجد في نهاية العام فرق في جودة العملية التعليمية وتحسين البيئة التعليمية، جهود تأخذ بعين الاعتبار احتياجات الطلاب وتجعلهم يواكبون التطورات الحاصلة، جهود عينها على المدرس وتعزيز وجوده كقدوة في المجتمع، جهود تعمل على زيادة أعداد المدارس بحيث يتم حل اشكال التكدس في الصفوف المدرسية. علّنا وعبر التركيز على هذا القطاع الهام ودعمه بما يلزم والاهتمام بالنوابغ والمبدعين نستطيع النهوض بفلسطين، كما نهضت ماليزيا من تحت الركام نتيجة وضع التعليم على أهم أولوياتها.

Categories: Uncategorized

2 replies »

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s