الخريجون وهنية والوعودات الوردية بقلم م. محمد يوسف حسنة.

الخريجون وهنية والوعودات الوردية بقلم م. محمد يوسف حسنة.

حينما تكون صورة الأم الصابرة التي أبكت عينيها سوء الحال وقلة المال فآثرت على نفسها وسارعت ببيع الذهب وما استقام علها تحفظ لأولادها فرصة التعليم بأمان في صدارة المشهد، وحينما تكون صورة الأب الغالي الذي واصل الليل بالنهار، وسالت منه دموع الرجال الغالية عند العجز والسؤال، رفقا بمهجة القلوب ونور العيون ومستقبلهم الموضوع على المحك وضياعه محال بين أنظار أبنائهم، يختفي المنمق من الحديث وتتواري البلاغة خجلاً وتُسارع الكلمات لوضع النقاط على الحروف دون مقدمات إنشائية وعبارات ودية.

أكثر من عشرين ألف خريج في قطاع غزة يعانون حصاراً يحد من حركتهم ويُقيد نمو اقتصادهم، ويكابدون عدالة اجتماعية غائبة، وتوظيف أساسه المعرفة والتنظيم يُقلل من مبدأ التساوي في الفرص وإن خاض الخريجون مسابقات وهميه على أساس إعلانات وظيفية، مع مراعاة اختلاف درجات التدخل من مؤسسة لأخرى ومن وظيفة حكومية دنيا لوظيفة حكومية عليا.

وقف دولة رئيس الوزراء في غزة شهر يوليو من العام الحالي بقاعة رشاد الشوا بين يدي الشباب في خطوة تدل على الإحساس العالي بالمسؤولية الأخلاقية والواجب المعتبر شرعاً تُجاه شريحة من شعب ولاه الله مسؤوليتها، يومها قرر رئيس الوزراء اعتماد ورقة الشباب وكلمة وزير الشباب والرياضة بغزة، واعتبر ما جاء فيهما مشاريع قرارات سترى النور قريباً ووعد بجملة من القرارات التي ألهبت مشاعر الشباب وتفاعلوا معه بالتصفيق الحار وباتوا منذ حينه في حالة تأهب وانتظار.

وعود أطلقت للخيال العنان وحملت الشباب لتصور ربيع فلسطيني شبابي تُفجر فيه الطاقات ويُفتح فيه مجال للإبداع، وتُستغل إمكاناتهم لتطوير البلاد وخدمة العباد، إلا أن الوقت يمر ومازالت القرارات حبيسة الأدراج بانتظار قرار لجنة تنظر في توصيات لجنة درست تصور لجنة عن آليات وضعتها لجنة لتطبيق القرار.

ولست بمعرض الانتقاد وأقدر الظروف التي يمر بها القطاع وحكومته وأن الحكومة تحاول بقدر ما تستطيع أن تقدم، إلا أني أود التوقف عند طلب ومعاناة الخريجين في ذلك اليوم وما قدمه الشباب يومها كحل عملي لهذه المشكلة، قال الشباب في كلمتهم لرئيس الوزراء ” لا يخفى على حضرتكم أن أعداد العاطلين عن العمل ومؤشر البطالة في ازدياد مستمر وخاصة في صفوف الشباب، فأكثر من 60% من العاطلين عن العمل دون الثلاثين من العمر ومعظمهم من حملة البكالوريوس. وهاتان المشكلتان – أي الفقر والبطالة دولة رئيس الوزراء لا تُحلان بالمسكنات والكفالات ومائة دولار تأتي مرة في العام، إن الشباب عماد الأمة وراسمي مستقبلها ما عادت حقن التخدير تُسعف آلامهم، وما عاد يُجدي إنعاشٌ مؤقت لأجساد أرهقتها الفاقة والحاجة. فالشباب الفلسطيني لم يعد يقبل بالإغاثة كعنوان لحل هذه الإشكالية، بل اختار التنمية كحل جذري دائم، كما اختارها محمد يونس في بنجلادش حين طبق ب 27 دولار فقط فكرة بنك الفقراء ليتحول أُنموذجاً يُدرس في آليات التغلب على الفقر والبطالة. لذلك نأمل من سيادتكم التكرم بدعم المشاريع الصغيرة للشباب والتي تسعى باتجاه التنمية المستدامة، والاستغناء عن المشاريع الإغاثية السريعة”.

وفي حديث الشباب عن العدالة الاجتماعية قالوا “فالعدالة الاجتماعية غائبة حتى بات لدينا خريجون وخريجات تحولوا من قلوب نابضة ومشاعل نور، لأجساد مُتبلدة وأرقام في السجل المدني، فقدوا طعم الحياة، خسِر جزء منهم ثقتهم بمجتمعهم ومؤسساته، فقدوا دافعية العمل والحراك الإيجابي، بسبب الشعور بفقدان العدالة الاجتماعية والوظيفية ومبدأ تساوي الفرص، في ظل معايير مبهمه أو غير متوفرة”.

أما العدالة الاجتماعية فسيادتكم أدرى مني بآليات معالجتها ولست بمعرض تقديم رأي اللهم إلا أن أُذكركم بأنكم مسئولون عن تحقيق العدل وإرسائه في المنطقة التي وُليتم أمرها ومرد الأمر إليكم وعاقبته لكم أو عليكم.

أما الحديث معكم دولة رئيس الوزراء فهو حول مشروع بنك الفقراء وضرورة إنفاذه في غزة دون انتظار تمويل خارجي وبجهود محلية فالذي جعل الدكتور محمد يونس في بنجلادش أن يبدأ بنك موازنته بالمليارات وساهم في تحسين حياة الملايين بسبعة وعشرين دولار فقط يجعلنا نستطيع تنفيذ الفكرة وتطبيقها واقعاً بإمكانات محلية وجهود خبرائنا المحليين.

بنك يقوم أساسه على تقديم رسالة إنسانية بمعايير مهنية تضمن النزاهة والشفافية، يقوم عليه خبرة ونخبة من الاقتصاديين وأهل الخبرة والدراية بعيداً عن الراغبين بموقع وظيفي مرموق أو الساعين لتحسين الرواتب، المقدمين للخدمة لأجل إنسانيتها قبل أن يكون لأجل راتب يتم تقاضيه نهاية الشهر، بنك يسهم في تنفيذ مئات المشاريع الاقتصادية الصغيرة ليتم إنشاء اقتصاد مقاوم بنيانه العقد الأسرية.

أما عن مصادره المحلية فإن أملي في الله ثم بكم كبير بالتبرع بشهر من راتبكم، وراتب شهر من وزرائكم وكبار موظفيكم ونواب المجلس التشريعي، وإقرار مساهمة من موظفي القطاع الحكومي لا تتعدى نسبة ال 5%  تحت بند التضامن الاجتماعي لمرة واحدة، وتحويل جزء من عائدات السولار والبنزين لمرة واحدة لصالح بنك الفقراء، وأود تذكير سيادتكم في هذا المُقام أن شباب وفتيات برنامج الرائد قد أعلنوا وأمامكم استعدادهم التخلي عن رسوم التسجيل البالغة 100 دولار كمساهمة منهم لإنجاح فكرة البنك، ومن ثم يجب مطالبة المؤسسات المحلية التي لديها برامج إقراض محدودة بضرورة تسليم البرنامج للبنك بهدف توحيد الجهود وتعظيم الفائدة.

ما سبق كان على صعيد المصادر المحلية، أما خارجياً فلك يا سيادة رئيس الوزراء حضور عند جمهور عريض ويكفي من حضرتكم الإشارة في خطبة جمعة أو حديث عبر التلفاز عن

أهمية المشروع وتمويله وأضمن لك أن تتدفق موازنة خارجية لا بأس بها من المانحين العرب والمسلمين.

هكذا دولة رئيس الوزراء يكون لدينا أموال تتعدى مرحلة الإطلاق، وإن ما تم اختيار القائمين على التنفيذ بعناية فائقة بعد وضع الخطط الكفيلة بإنجاح هذا المشروع الوطني على أساس الكفاءة وحب تقديم الخدمة للمجتمع، وإن ما تم بناء وصقل مهارات المقترضين ودراسة المشاريع المرشحة للتمويل فإننا سنشهد في المدى المتوسط نتائج مبهرة كما شهدتها بنجلادش وتشهدها حاليا ماليزيا واندونيسيا التي تُطبق نفس فكرة المشروع وبجهود ذاتية أيضاً.

دولة رئيس الوزراء مبدأ البنك قائم على تعليم الناس صيد السمك بدل أن نعطيهم السمك، والذي يُعتبر أهم وأقصر الطرق لتحقيق التنمية في قطاع غزة، ويوجه الطاقات الشابة تُجاه القطاع الخاص وبناء قدراتهم بعيداً عن إرهاق الدولة بموازنات لموظفين القطاع العام الذي مهما توسعت فرص العمل فيه ستبقى محدودة.

دولة رئيس الوزراء هكذا هي الأحلام الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة، إلا أنها تحتاج لقرار جرئ ممن يملك القدرة وسلطة القرار وأنتم أمام خيارين إما أن تُحقق أحلام وآمال الشباب على أيديكم وبقدر عال من التميز والإبداع الذي عودنا عليه أهل القطاع في ظل الحصار والعدوان، وإما أن تبقى كلماتكم تُلهب حماسة الجمهور في حينه ثم ما تلبث أن تتحول إلى أضغاث أحلام وردية في عالم سرمدي لا تجد طريقها إلى النور.

ويعلم دولتكم أن الشباب على الدوام كانت وقود التغيير وأدوات مقارعة الاحتلال وتعزيز الصمود، إلا أن الشباب وخاصة الخريجون كما الوطن بحاجة لهم ليحملوا همومه ويرفعوا قضيته، يحتاجون لوطن يقف عند مسؤولياته تُجاههم ويوفر لهم الحد الأدنى من العيش الكريم الذي يؤهلهم لمواصلة درب الجهاد حتى النصر أو الاستشهاد.

Categories: Uncategorized

4 replies »

  1. بوركت أستاذي الكريم محمد حسنة علي الطرح
    واتمني ان تؤخذ كلماتك بعين الاعتبار بل في عين التطبيق

  2. رائع ما قرأت وكلما قرأت لك أكثر م. محمد أشعر بصدق مشاعرك تجاه قضية شبابنا وحاجاتهم واقترابك الفعلي من واقعهم وشعورك بالمسئولية تجاههم، وبحكم خبرتك بما رأيت في نهضة الدول التي تسعى للارتقاء بشبابها ها أنت ذا تقدم خبرتك طواعية وتضع النقاط على الحروف ولا تنهج النقد لأجل النقد إنما لأجل الإصلاح والارتقاء ودليل ذلك شرحك في خطوات عملية حلاً للخروج من الأزمة والقضاء على البطالة من خلال مشروع بنك الفقراء
    صدقاً نحن نقدر ولكن بحاجة لمن يضع أرجلنا على بداية الطريق.. لا من يدعي أنه يساعدنا وهو في حقيقة الأمر يسهم في زيادة معاناتنا بمساعداته الإغاثية وكابوناته الطارئة
    آن الآن أن نغير واقعنا بأيدينا
    بوركت سيدي الفاضل ولا فض فوك

  3. قرات الكثير من المقالات لشخصيات وكتاب ومؤلفين ولكن لم ارى مثل هيك تعبير حقيقي صادق باخلاص نيه هادفه لك كل التحيات والتقدير والفخر حماك الله أبو البراء وسلمت يداك وبهنيك على هالكلمات الرائع

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s