انقلاب

انقلاب

بقلم: م. محمد يوسف حسنة

كغريقٍ تنفس الصعداء بعد كتم الأنفاس بعناءٍ تحت الماء، استبشر الشارع الفلسطيني خيراً بتحرك الشباب الراغب لتصدّر المشهد وبدء المشاركة الحقيقة في صناعة القرار تحرك الشباب كعنقاءٍ نهضت من تحت رماد التهميش والإبعاد هدفهم مصالحة وطنية وإعادة لدورهم الاعتبارية.

إلاّ أنه ورغم الطريق الممهد والإشارات التوجيهية والأسهم الإرشادية والعبارات التشجيعية، لم ينجح الشباب الفلسطيني بعد في الوصول لغايتهم وبرّ أمانهم فالسيارة ينقصها الوقود النقي والسائق خذلته خبرة القيادة فلا سيارة وصلت ولا آمال تحققت.

وقودٌ كان يفترض أن يمثله دافعٌ ذاتيٌ ورغبةٌ حقيقة في إحداث تغيير منشود واستعادة صورة وطن مفقود، ودفعٍ باتجاه دور رائدٍ للشباب مشهود، وقودٌ غير ملوث بترسيب أجندات حزبية وأيدلوجيات نرجسية تدّعي الأحقية والسيادية، وقودٌ عناصره حب وطنٍ مكلوم ورغبة في تحسين وضع شعب مظلوم، وانتصار لأقصى مهموم وتحرير شباب وضعه مأزوم.

سائقٌ كان يفترض أن يمثّل قائد استطاع كسب القلوب باختيار العقول، جمع الكفوف في الكفوف وأشهد الشعب على العهود رفع شعار الثبات في الصفوف والمضي وإن رغمت أنوف.

سائقي تحركات الشباب السابقة خذلوا من وضع الثقة فيهم وخانوا عهوداً قطعوها على أنفسهم، بدّلوا الوقود النقي الشفاف بوقود ملوث أعطب تحرك السيارة وأفقد حماسة الجماهير ووفر ذريعة الإجهاز على سائقي الوقود النقي، فعاد الشارع لسكونه وعادت قبضة أصحاب السيادة أقوى بعد أن زعزعها شارع رفع شعار ثمن السيادة هجر الوسادة ومنازل الكرام لا تنبغي لأهل المنام.

واقع شبابيّ غير جدير بالاحترام، بيئة نغّصها تدخل الأحزاب، وقضى على جمالها تبعية محركيها لأجندات عبر رغبة طوعية أو شراء الذمم ترهيباً أو ترغيباً، ففقدت التحركات دافعها ووقود بقائها وسبب ظهورها.

وعلّ المتتبع محاولات بعض المجموعات الشبابية إعادة الجمهور للشارع، يلحظ دون عناء الفشل الذريع في تحريكه، بل أن الداعون لها هم أول المتخلفون عنها، فالثّقة المفقودة عنوان المرحلة مابين الشارع والقيادات الشابة، بالإضافة إلى قلة خبرة قادة المجموعات الشبابية وتحرك بعضهم وفق أهواء وإملاءات مشغليهم، ما أفقدهم القدرة على مواجهة ما يعترضهم من عقبات، وجعلهم عرضة للاتهامات.

قد يفيد دفن الرؤوس في الرمال كالنعام في تجاهل الحقائق، ولكنه أبداً لا يُزيلها، والتعاطي معها وعلاجها أولى من عنتريات الحديث ولا منطقية الفعل، بداية حل المشكلة الاعتراف بها، وعلى القيادات الشابة أن تعترف بمناطق عجزها وتعثّر مشروعها وعليها أن تنقلب على من يجرهم لمربع الهاوية ويسحب الشرفاء منهم في اتجاه التبعية، وينزع عنهم المصداقية، انقلاب يُعيد للتحركات الشبابية روح براءتها وجمال فكرتها وسحر رونقها، وإلا سينجح البعض منهم في الحصول على هجرة لدولة بداعي الاضطهاد السياسي أو أن يبقى تابعاً محكوماً بتوجيه، سعياً لوضع مالي أفضل وتصدّر مشهد بطل المرحلة وصانع مجدها صورة لا فعلاً.

والجمهور العزيز ذلك الذي أنهكته الجراح، وتكالبت عليه الظروف، هي إرادة الله في أهل العزائم فهم على الجراح يصبرون، وبالخذلان لا يتأثرون، صادقون نحو الهدف ماضون، غرباء على الجمر قابضون، أهل شدائد وابتلاءات أهل مغارم لا إغراءات، أنت وحدك من سيُسجل التاريخ له في صفحاته انتصارات مدوية، فأنت صاحب التغيير وصانع رجاله، وعليك أيها الجمهور أن تنقلب على سلبيتك لتحلق نسراً بجانب النسور، فلا الدافعية تنقصك وليس المتاجرون بقضيتك أولى منك في التحرك.

أنت ماردٌ ستُغير إن ما أردت التحرك، فإلى متى ستبقى عدداً رقمياً لا إضافة نوعية؟، بيدك كل المقوّمات التي تجعل منك رقم المعادلة الأصعب وأنت كذلك، انقلب على من يُغل يديك ويكبل قدميك وتحرّك, فقضيتنا الوطنية – بسبب تأخر تحركك – تراجعت وباتت رهينة المتنّفذين المستفيدين، أعد لنا الثقة في أنفسنا وفيك، ولا تنتظر أن نُعيد لك الثقة فينا فأنت أساس التحرك لا نحن، أما وإن كان تراجع القضية الوطنية وارتفاع نسبة الفقر والبطالة تُرضيك فلا أمل يُرجى ولا غاية ستُدرك.

وقيادات الأجهزة الأمنية، إلى متى سيبقى التعامل مع الشباب على أنهم تهديد أمنى، ومثيري قلاقل واضطرابات أما تعلمتم أن القمع يولد الانفجار؟ وأن الدماء والاضطهاد والاعتقال يُغذي التحرك، قد تنجحوا في إرهاب البعض، وشراء البعض الآخر، إلاّ أنه سيبقى هنالك على الدوام شباب للتغيير، قادة يؤمنون أنهم غرباء في زمن التخاذل والإمعات، أرقامٌ صعبة في معادلات الانهزام والانحطاط، قادة منهاجهم الإقدام لا التقدم، ويعلمون أن ثمن قيادة التغيير صعب وطريقهم كله امتحانات وابتلاءات، روادٌ فريدون مميزون مستعدون لدفع الضريبة المترتبة وتحمل مشاق المسير فكيف ستعاملون من رهنوا حياتهم لإحداث التغيير؟

إذاً فالمطلوب انقلاب حقيقي في المفاهيم ورغبة صادقة في التغيير.

فعلى الشباب الإيمان بأن دفع الناس للخروج إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم والضغط في اتجاه المصالحة والتغيير يتطلب استحقاقات كثيرة، منها إعادة الثقة المفقودة في القيادة الشابة، ونقاء الدعوة، وسلامة نواياها، وتنقية الصفوف وترتيبها.

وعلى الشباب أن يُدرك أن الفصائل والأحزاب وسيلة لخدمة فلسطين، وعليهم أن يحافظوا عليها في هذا الإطار لا أن تتحول الوسيلة لهدف وغاية، ففلسطين تنتظر شبابها لصياغة مستقبلها، فإياكم وخذلانها. وإياكم وفتور الهمم فعلى أكتافكم ستُقام أمجاد أمم.

وعلى الجمهور أن يدرك أن القائد المطلوب، والرائد المرغوب، عليه أن يُعطي ولا يأخذ، يُؤذَى ولا يؤذِي، يقضي للناس حوائجهم ولا يكلفهم بقضاء حوائجه، يُقدم ما عليه من واجبات قبل أن يسأل عن حقوقه، قنديلٌ للناس منير وقوده دمه، وهو من عليهم اختياره لا المتسلّق على أوجاعهم الصاعد نجمه على أصوات آهاتهم.

وعلى الجمهور أن يسحب الثقة ممن خذلوه ويخلع من أفشلوه من القيادات الشابة ويرسم معالم المرحلة القادمة ليستحق التغيير والتطوير.

وعلى الحكومة أن تعلم أن القدوة والقيادة مغرم لا مغنم، فثقة أُناس كثر وضعت بمن تعلقت بهم القلوب واختارتهم العقول، وكلما زاد القدوة أو القائد تألقاً، كلما حلقت به آمال وتطلعات الواثقين فيه، وخذلانهم ثمنه ليس بالبسيط.

وعلى الأجهزة الأمنية أن تُدرك جيداً أن الشباب عماد الأمة وقوة حاضرها وراسمي مستقبلها كنز لا يعامل بالبطش والاضطهاد، زرعٌ يُرعى حتى يُرى ثمره، قنبلة موقوتة إن لم يُنجح في توجيهها للانفجار بمكانها المناسب ستنفجر بشكل مدوي وتُلحق ضرر أكبر.

افتحوا مجالات حرية التعبير والرأي والإبداع، اتركوا مجالاً للتجربة والخطأ، ولا يجرمنكم تبعية وتحزب البعض محاربة الجميع بنفس التهمة والحجة، فالناس ليسوا سواء.

Categories: Uncategorized

6 replies »

  1. هل يعني ذلك أن السيارة توقفت عن السير؟؟
    أم هو انحراف وغداص ستسلك الطريق الصحيح؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s