في يوم العمال هل ينهض برنامج تكافل من جديد؟

في يوم العمال هل ينهض برنامج تكافل من جديد؟

بقلم: م. محمد يوسف حسنة

سبقت الدموع حديثه، وتلعثمت الكلمات على أبواب شفاهه المرتعشة، حدثني وعيونه كلها رجاء، “لا تصدني ولك منى الثناء ومن الله الأجر والبعد عن الشقاء، خريج جامعي أنهيتُ دراستي وكلّي أملٌ أن أحقق حلمي بأسرة صغيرة ووظيفة تكفل لى انسانيتي وكرامتي، إلا أنّ السنين مّرت وما زلت أحلم باللقاء، اليوم أقف أمامك وحاجة عائلتي تطاردني وتُثقل كاهلي وتُبعثر ما تبقى من صورتي أمام زوجتي وأولادي، فهلا أغثتني بعمل حتى وإن كان آذن براتب مقطوع أحفظ به ماء وجهي من السؤال؟!”.

لم يعد صدره يحتمل الآلم، ولم يعد يقوى على التحمل بعدما دُمر الأمل، حمل يفوق قدرة الرجال، حين تسأله طفلته حاجتها ولا يستطيع أن يلبي لها السؤال، فاضت دُموع الرجال من عينيه وأعلم كم هى عزيزة دُموع الرجال، وكم هى أبية نُفوسهم، دموع أعلنت بكل صراحة أن الماثل أمامي بقايا انسان، تناثرت أشلاء كرامته وإرادته جراء الفقر والحرمان.

مأساة ضمن سلسلة مآسي وردت وسترد، قد نقف عندها ونتأمل الحال ونطرح الحلول ونجتهد أن نصل لنتيجة، والكثير منا يمر عليها مرور الكرام ولسانه يلهج بالدعاء أن ييسر الله الحال.

حسب منظمة العمل الدولية فقد بلغت نسبة المتعطلين عن العمل في قطاع غزة 44,8%، أي مايقارب 200 ألف عامل، فيما تفيد مصادر أخرى أن نسبتهم تتجاوز حاجز ال 65%، كما تشير التقديرات الرسمية إلى أن نسبتهم تبلغ ال 40%.

تضاربٌ في المعلومات والإحصاءات يدلل كم نحن بعيدون حتى اللحظة عن معالجة أزمة العمال، ووضع الخطط بما يتناسب ووضعهم وحجم مأساتهم، قد يعود جزء منها لعدم التنسيق بين الجهات المعنية، أو لغياب تعريف موحد لمفهوم البطالة والفقر، أو لعزوف العمال عن التسجيل في مراكز العمل يأساً ولا مبالاة.

تلك الأعداد الهائلة الصادمة تلقّت وما تزال تتلقى الضربات القاسية نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة، والاستهداف الممنهج من قبل الاحتلال للبنية الاقتصادية للقطاع، ضربات تزيد في كل يوم عدد جديد لجيش المتعطلين عن العمل، الأمر الذي ينذر بكارثة اجتماعية حقيقية تجلّت بعض صورها في انتشار مظاهر التسول وطلب الحاجة، وانتشار ظاهرة الانطواء الاجتماعي، وعدم قدرة أرباب الأسر على الإيفاء بمتطلبات وحاجيات أسرهم، بل وصل الأمر ببعضهم أن يحبس نفسه عن رؤية أولاده قبل ذهابهم للمدرسة تهرباً من طلبهم مصروف جيبهم اليومي.

قضيةٌ يظهر جلياً عجز معالجة آثارها واحتواء نتائجها محلياً دون تدخل ومساعدة خارجية، ورغم المحاولات المحلية إلا أنها مازالت لا ترقى للمستوى المطلوب ودون أثر حقيقي يراه ويلمسه العامل والمجتمع.

مأساة العمال في عيدهم جعلتني أستذكر برنامجاً رائداً في مجال معالجة أزمة المتعطلين عن العمل، ورغم توقفه منذ فترة إلا أن صداه ما زال حاضراً ولمساته ما زالت شاهدةً على عظم انجازاته، برنامج تكافل لتشغيل العمال، حيث استطاع القائمين عليه ورغم كم التحديات الهائلة توفير آلالاف فرص العمل، ومن خلاله عائلات سُترت، ومشاريع نُفذت، وعلى وجهِ أطفالٍ محرومين بسماتٌ رُسمت.

ظهرت فيه بل وتألّقت أروع قصص التكافل والتلاحم الإنساني، انسجام تام بين مجموعة من المانحين انطلقوا من حاجة مجتمعية حقيقية ومابين مؤسسات مُنفذة رفعت شعار ” رسالةٌ إنسانيةٌ تُؤدى بمهنية و فق مبادئ الحياد والشفافية “، فكان بحقٍ برنامج التشغيل المؤقت الرائد في قطاع غزة سواء من حيث تعداد العمال المُتوفر لهم فرص العمل أو على صعيد المشاريع التنموية التي نُفذت بواسطة عمال تكافل، حيث كان لهم دور كبير في استصلاح أراضٍ زراعيةٍ دُمرت وإعادة الخضرة لأرض يبُست مروراً بقطاع الخدمات الذي أبدع فيه عمال تكافل، فمن تنظيف المرافق العامة وتزيين وتشجير الشوارع مروراً بافتتاح الحدائق لتكون متنفساً لأهالي قطاع غزة المحاصرين وليس انتهاءً بالقطاع الصحي و التعليمي اللذان استفادا من البرنامج في الصيانة والحراسة والنظافة ناهيك عن المشاركة في عملية رفع أنقاض المباني والمساهمة في ترميم بعض ما دمرته الحرب الشرسة التى شُنت على أهالي القطاع نهاية العام 2008  .

والحديث عن برنامج رائد بحجم تكافل يطول، إلا أن مشكلة العمال ومعضلاتهم لا يكفي لحلها فقط إعادة برنامج تكافل وتفعيله، بل نحن بحاجة لتكاتف جهود المانحين والحكومة والمؤسسات بما يضمن وضع خطة تنطلق من احتياجات العمال وتطلعاتهم وبما يحقق للمجتمع والدولة تنمية مستدامة لا معالجة آنية للأزمة أثرها محدود يكاد لا يرى وينتهي بانتهاء الفعل.

تكاتف يقوم فيه المانح بالانفاق حسب حاجة الناس وبما يُذهب عنهم الجوع ويشد عضدهم ويسد متطلبتهم، انفاق وفق رؤية الدولة المحكومة بالاطار التنموي لا الإغاثي.

تكاتف تقوم فيه الحكومة الفلسطينية بإيلاء مشكلة العمال أهمية أكبر، وتفعيل قضاياهم على المستوى الدولي والمحلي وإفراد مساحة لقضاياهم في الاعلام وفي دائرة صنع القرار، وترشيد المصروفات والإنفاق وتحويل الأموال إلى صالح صندوق العمال وتنفيذ مشروع التضامن الاجتماعي لصالح كفالة العمال، وتأخذ وزارة التربية والتعليم فيها وبالتوافق مع الجامعات الفلسطينية ترشيد التخصصات حسب متطلبات سوق العمل.

ولمؤسساتنا المحلية دور مهم وحيويّ في معالجة قضية العمال فعليها التواصل مع الجهات المانحة وفق الرؤيا التنموية وتسليط الضوء على قضية العمال وحجم مشكلتهم وضرورة التدخل لصالحهم والابتعاد قدر الامكان عن تنفيذ المشاريع التقليدية لمعالجة الأزمة.

هى إذا جهود من أطراف عدة، يجب أن تنصهر ببوتقة واحدة وتندمج بما يحقق للعامل قوت يومه ويحفظ صورته وهيبته أمام أسرته ومجتمعه، جهود يجب أن تتوحد لتحفظ دموع الرجال التي باتت تسيل على الدوام نتيجة الحاجة والفاقة.

ختاماً على من يستطيع أن يمسك زمام المبادرة أن يُبادر فقد مل الشعب الكلمات وكثرتها والوعود وصداها، نريد فعلاً مدروس له ثقل التأثير يستطيع أن يحقق التغيير المنشود.

Categories: Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s