مأساة طفلة … صفعة لكرامة وطن

مأساة طفلة … صفعة لكرامة وطن


بقلم م. محمد يوسف حسنة



كانت ليلةٌ مطرها منهمر، غاب فيها القمر، وهواءٌ عاصفٌ على أوراق شجر يرى الأثر، رأيتها ولحالها قلبي انفطر، قابلتها وهى تمشط الطرقات بحثاً عن وجه إنسان قد يساعدها على وقع أضواء السيارات المتوقفة على المفترقات.

طفلةٌ لا يتجاوز عمرها السبع سنين، يحاول عبثاً زيّها المدرسي وقايتها الريح التي تعصِف بجسدها الضئيل، تحمل بين يديها ما قد يُباع لسائقٍ أو سائرٍ أدمع عينيه ما يرى من حالها، والحقُّ يُقال أنّي مذ رأيتها وأنا أحاول الكتابة عنها إلاّ أنّ الموقف أكبر من ثرثرة قلم، هو خِنجر في قلبٍ مجروحٍ وصفعةٍ في كرامة وطن مكلوم، إلى أن قابلتها مرة أخرى وقد تجاوزت الساعة العاشرة ليلاً فكان لا بدّ من حديث وإن كان ذا شجون.

تلك طفلةٌ ولنا أطفال، هي تستحق أن تأخذ دروسها التعليمية، ومن ثم تعود لتمارس حياة طفلة فيها اللعب وفيها العلم وفيها حضن عائليّ دافئ، وبدلاً من ذلك فالطفلة الرقيقة تبقى حتى ما بعد العاشرة مساءاً تطارد وجوه المحسنين علّها تظفر بقليل من المال لتعود لأسرتها به، تسد جوع أخ مريض، وتسند أب قسم ظهره المرض والفقر، وتمسح دمع أم أعيا عيونها بكاء الحال وقلة المال.

من الجاني؟ سؤال تردد في ذهني كلّما رأيتها بل كلّما لاح طيفها في خيالي، أهي الأسرة التي تركت ابنتها عرضةً لبردٍ قارص يفتك بجسدها الضئيل ويقضي على ما تبقى من كرامة وطن؟ أم هي الظروف الصعبة والفقر المدقع الذي أوصلها لهذه الحالة؟! أم هي الحكومة التي تقف عاجزةً أمام مسؤولياتها تجاه هموم وقضايا المواطن؟! أم هي المؤسسات الغارقة في تدريب موظفيها على حقوق الإنسان والديمقراطية والجندر وتناست احتياجات البشر الأساسية وأولوياتهم؟! أم هي مسؤولية مجتمع يرى الداء ويشخص العلاج ولا يلتزم به؟!

هي مسؤولية مشتركة، فالأسرة ومهما وقع عليها ظلم الفقر لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون الضحية طفلة أو طفل يفترض وجودهما على مقاعد الدراسة لا أن يصبحا متسولَين تحت اسم الباعة المتجولين.

والحكومة، ذلك الجسم الذي يجب أن يخفف من معاناة المواطن ويحسّن المستوى المعيشي له، متى ستشمل برامجها كافة شرائح المجتمع، ولِمَ تبقى الموازنات تستهلكها وزارة الداخلية بأجهزتها، الأمن ودعم ما يعزز الاستقرار مطلوبان؟ نعم، ولكن الأمن لا يمكن أن يحل دون إبلاء الاحتياجات الإنسانية الأولوية للمواطن، بمعنى تعزيز وزارات الاختصاص من شؤون اجتماعية وعمل وخدمات بما يطور أدائها ويقوي شوكتها في التعامل مع ملفات المتعطلين عن العمل والأسر الفقيرة، وعلّها تستطيع الخروج من عنق الزجاجة وتمضي قدماً تجاه تحقيق التنمية بدل برامج الإعاشة والإغاثة المؤقتة.

وتلك المؤسسات الأهلية، رجاءً انزلوا من أبراجكم العاجية ومكاتبكم الفخمة خالطوا الناس واشعروا بآهاتهم، لا تسرقوا منا حلم دولة المؤسسات بتحويلها للكسب المادي والبرامج التي توافق أجندة المانح.

أما من وقفة مع النفس؟! كيف لبرامج حقوق الإنسان أن تجد طريقها إلى القلب إن كان القلب والعقل ما زالا مشغولَين في أسفل قاعدة هرم الاحتياج؟!، كم من برنامج تدريبي نُفذ في قطاع غزة، وكم من أموال أُهدرت؟! دون عائد مجديّ ودون أثر حقيقي؟! ما معياركم للنجاح والفشل؟! أهو بعدد الحاضرين للبرنامج أم برضي الممول؟!.

فلسطين بمؤسساتها وحكوماتها ومجتمعها لن تنهض ولن تحقق نجاح طالما أنّ هنالك مثل مأساة هذه الفتاة، وطالما كان هنالك أسرٌ فقيرةٌ تفترش الأرض وتلتحف السماء يفتُك بها البرد القارص وتقضي عليها الشمس الحارقة.

نحتاج للتعاون ووضع آليات للتدخل وتنظيم الأموال القادمة كمعونات وبرامج ومنح، فلا يمكن أن نعجز عن إدارة توجيه الأموال وفينا عقول وطاقات لو استُغلت واستُفيد منها لتغير الشيء الكثير.

وقبل هذا وذاك علينا أن نتدخل كأفراد ومجتمع، نطبّق مفهوم التكافل والتكاتف والتعاضد، فنحن مجتمعٌ واحد يدٌ واحدة وصوتٌ واحد.

صحيحٌ أن الصورةَ قاتمة، والكمدُ أدمى القلب إلاّ أنه وكما ينقشع ظلام الليل بإشراقه شمسٍ وتعديل الصورة برسم مستقبل لطفلة ابتسامتها من رفعة وشأن وطن وبؤسها وشقائها طعنة في خاصرته.

Categories: Uncategorized

4 replies »

  1. و الله المقال حلو و تسليطك علي ضوء الممشكلة.. كل الشعب بعاني من ….بس المشكلة الأكبر إنو ما في حدا سائل علي حدا يعني حماس شو عملت من أول ما استلمت الحكم و بعدين المساعدات ما بيخدها الا إلو واسطة مع حماس ..

  2. فعلا موضوع يستحق وقفة ويستحق ان يوضع تحت المجهر للبحث عن الاسباب والبحث عن حل .. يسعدني المرور لاول مرة بمدونتك …دمت بكل خير.

  3. عزيزى محمد
    ماسأة تدمى لها القلوب وتدمع لها الاعين
    تلك الطفلة ليست الوحيدة بل هناك اخرون واخرون
    شكرا بعمق احساسك
    محبتى

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s