الرعاية الشاملة للايتام بين حاجة ملحة وغياب الرغبة

م. محمد يوسف حسنة

تقدمت على استحياء والدمع في عينيها تطلب المقابلة، والكلمات المتعثرة المغلفة بدموعها تحدثت عن الحال بأكثر من الكلمات الواضحة المفهومة، اهدئي يا أماه وأخبريني حاجتك؟!.

أجهشت بالبكاء وبالحديث بعد التقاط الأنفاس، فقالت :”أنا أرملة فقدت زوجي في الحرب ولدى أطفال أيتام، و…”. قاطعتها لأوفر عناء سرد القصة عليها فقصص الأيتام متشابهة وجرحهم غائر ومساعدتهم واجبة قلت أعطني بياناتك سأرى ما أستطيع فعله، قالت أو تظن أنى قدمت طالبة مال؟ فما المال حاجتي ولا له قدمت بين يديك أسعى فالله خير الرازقين.

نظرت إليها وسألتها ماحاجتك إذاً، أجابتني وبنبرة حزن ولوعة ألم تقول :”كان لدى زوج يحيطني والأولاد بعطفه وحنانه يهذب الفعل ويقيم السلوك ويربى النشأ أستقوي به على من يتمادى من الأطفال فحسنت التربية وبدء العود اليافع يشتد بأخلاق حميدة ونفس طيبة ومعاملة لطيفة، حتى جاء قدر الله ففقدت الظل وفقد أولادي صاحب السلطة الأقوى عليهم مالك النظرة التي لا ترد، فقدوا الموجه ربان السفينة”.

وتضيف “ورغم محاولاتي إلا أنها دون المستوى المطلوب في خضم تراكم هموم الدنيا ومصاعب الحياة، كفلنا بعض أهل الخير وكفونا حاجة السؤال، لم يعوضوني فقد زوجي ولم يسدوا الفراغ لدى أولادي، وهنا بدأت مأساتي فالمال بيد اليتيم يتحول لنقمة لا لنعمة إن لم تصاحب بتوجيه وترشيد سلوك وتربية، أريدك إن استطعت أن تجد لي ولمثلى من الأرامل مخرجاً حتى لا نفقد أولادنا في معركة الحياة.

هكذا ختمت حديثها وغادرت وما علمت أنها ألقت على كاهلي مسئولية عظيمة عجزت المؤسسات الكبرى وذات العمر الطويل على إنجازها طوال الفترة الماضية ولو أرادت تلك المؤسسات لفعلت، إنها فكرة الرعاية الشاملة للأيتام أيها السادة، غابت عن واقع التنفيذ رغم أنها حاضرة في أذهان القائمين على الأيتام أو قل غيبت قصراً سواء بقصد أو دون قصد.

أوضاع صعبة

يعيش الأيتام في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة حيث تعاني شريحة الأيتام في ظل أزمة الفراق التي مُنيت قلوبهم وتفاصيل حياتهم بها، إضافة إلى الفراغ النفسي ومعايشة الأيتام لجو الكبت والحرمان ناهيك عن النظرة المجتمعية للأيتام بوصفهم عبء اقتصادي يتقاذفه المحيط دون القدرة على تحمل المسؤوليات مما يثقل كاهل اليتيم وأمه التي غالبا ما تضطر للعيش على توفر الإعانات المقدمة من الجمعيات الخيرية.

و تشير تقارير وزارة الشئون الاجتماعية إلى أن عدد الأيتام نتيجة الحرب الصهيونية الأخير بلغ ألف وخمسمائة وثمانية يتيم خلال أيام الحرب الأخيرة على قطاع غزة؛ هذا إضافةً إلى وجود ما يزيد على ثلاثة وعشرين ألف يتيم في قطاع غزة قبل الحرب، و تشير دراسة للدكتور عبد العزيز ثابت (2008) أن الأيتام يعانون من مشاكل نفسية واجتماعية خطيرة أبرزها فقدان الثقة وزعزعة الشخصية نتيجة لفقدان الأحبة والقدوة والأصدقاء.

وأشارت الدراسة إلى أن 83.5% من الأيتام يشعرون بالتوتر الشديد حينما يواجهون عقبات في الحياة العملية، وأشارت الدراسة إلى أن 74.5% من الأيتام يشعرون بالخوف والذعر والقلق إلى درجة أنهم لا يريدون معرفة مشاعرهم الحقيقية وخاصة حينما يواجهون حدثا ما.

كما أن هناك العديد من الآثار الاجتماعية حيث يخلع الطفل من أطره الاجتماعية بفقدان والديه ويترك في حال من العري الاجتماعي, إضافةً إلى الآثار البيولوجية التي تصيب الأطفال, فقد يصابون ببعض التشوهات البدنية أو الإعاقة ونحوها مما يؤثر على تكيفهم في المجتمع ويسبب لهم العزلة والانطواء وضعف الثقة بالنفس.

وعل الأحداث التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام وبقطاع غزة بشكل خاص تجعل أعداد الأيتام فيه قابلة للزيادة مما يضاعف حجم المسئولية على الدولة ومؤسسات المجتمع المدني للوقوف عند مسئولياتها تجاه تلك الشريحة، حيث أن ظاهرة اليتم تترك آثاراً مجتمعيةً مدمرةً نظراً لأن فيها نسبةً عاليةً للفاقد من الموارد البشرية بل المعرقل لحركة التنمية إن لم يتم التدخل وحدثت المعالجة في الوقت المناسب.

دور مختصر

والمتتبع لحركة عمل مؤسسات المجتمع المدني العاملة بمجال الأيتام يجدها تنشط في مجال توفير الكفالات المالية لليتيم وينتهي دورها بتسليم الكفالة وتوثيقها للكفيل دون تدخل منها في عملية الاهتمام والرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية لليتيم؛ مما يضعف فرص تنشئتهم تنشئةً تضمنهم كمواطنين صالحين.

ورغم ما تبذله المؤسسات من جهد لتوفير احتياج الأيتام، إلا أن مقدار تدخلها فى مجال الرعاية الشاملة للأيتام يكاد معدوم ولا يذكر  وهى إشكالية كبرى تحتاج لتضافر الجهود في سبيل إيجاد حلول عملية لهذه الإشكالية شرط أن تتوفر الرغبة والنية لدى تلك المؤسسات فى تنفيذ برامج مشتركة لصالح الرعاية الشاملة للأيتام.

ومن منطلق إطلاعي على ملف الأيتام في قطاع غزة فإنني أنصح بالتالي:

* إنشاء قاعدة بيانات مركزية وموحدة للايتام بهدف وصول العاملين في مجال الأيتام للمعلومة بأقل التكاليف وبأسرع وقت مما يمنع ازدواجية الفائدة لدى بعض الأيتام وحرمان البعض الأخر، حيث لوحظ أن بعض الأيتام بالكاد يصلهم كفالة مالية بينما يحظى بعض الأيتام بكفالات تصل إلى 2000 دولار شهرياً.

* إنشاء مراكز متخصصة للرعاية الشاملة للأيتام تهتم بمراقبة السلوك وتقويمه إضافة لتقديم برامج التأهيل النفسي لليتيم.

* إخضاع الأرامل لبرامج التأهيل المناسبة والكفيلة بتحسين قدرتها على إدارة شئونها وتربية أطفالها فى ظل الظروف الجديدة التي تحياها شرط أن تتخلص البرامج من الطريقة التقليدية وتتجه لمخاطبة المرأة بأسلوب عصري مهني يستطيع التأثير فيها وإحداث التغيير المطلوب.

* إنشاء صندوق الاستثمار لدعم اليتيم بحيث يتم إنشاء مجموعة مشاريع استثمارية خيرية داخل وخارج قطاع غزة لصالح مؤسسات المجتمع المدني بما يوفر دعم لها ولمشاريع الرعاية الشاملة لليتيم بحيث يتم فك الارتباط ما بين توفير الكفالات وتقديم الخدمة لليتيم.

المنطق يفرض أن تصبح الرعاية الشاملة للأيتام حقيقة لا أن تبقى حبيسة أطروحات ورقية أو أفكار تدور في الأذهان فالشريحة جد خطيرة، وإن لم تكن عاملاً في مساعدة المجتمع في نهضته وتطوره ستكون عاملاً ومعولاً من معاول الهدم.

والمشروع يمكن إنجازه شرط تضافر الجهود كما أسبقنا وشرط أن تفرج المؤسسات الكافلة للأيتام عن مصادرها ومعلوماتها دون الخشية من فقدان كفالة أو تسريب معلومة.

إننا نريد جمعيات تهتم باليتيم لأجل بناء وطن ولأجل تخريج قيادة أمة، لا نريد جمعيات تغلق على معلوماتها لأنها تعتاش من وراء الكفالات ولأنها توفر رواتب موظفيها من الأستقطاعات الخاصة بالكفالة.

الأيتام يحتاجونكم جميعاً لا تجعلوا هذه الأرملة وغيرها ترد من على أبوابكم بعد أن وصلكم صوتها فأمانة أطفالها وأمانة الأيتام فى رقبتكم.

Categories: Uncategorized

1 reply »

  1. ان وضع اليد والرصد لمثل هذه المواضيع التي يتراود لي انها اصبحت خارج السيطرة للزيادة الطردية من حيث الوفيات مع زيادة المشاكل في تربية الايتام
    ان غياب القائد للاسرة او حتي ولي الامر الحكيم المتدبر للامر سيشتت فينا ماتبقي من حلم نامل به غدا افضل
    م محمد فعلا موضوع شائك الوصول لحل جذري لست متشائمة ولكن صعب جدا
    قضيتنا تتزايد بقلة وعينا وارشادنا لمن هم بحاجة اليه ويدا بيدك في خطوة صائبة تجد منها حل حتي لو لجزء من هذا الوضع
    اللهم فرج كربتنا وازل همنا وتولنا برحمتك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s